التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد، للحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي - ت - ن دار ابن الجوزي - من إصدارات شبكة نور الإسلام #492
* عن صافي قال كنت يوماً واقفاً على رأس المعتضد, فقال: هاتوا فلاناً الطيبي - خادم يلي خزانة الطيب - فأحضر فقال له؟ كم عندك من الغالية؟ فقال: نيف وثلاثون حباً صينياً مما عمله عدة من الخلفاء. قال: فأيها أطيب؟ قال: ما عمله الواثق. قال أحضرنيه, فأحضره حباً عظيماً يحمله خدم عدة بدهق, ومثقلة, ففتح فإذا بغالية قد ابيضت من التعشيب, وجمدت من العتق في نهاية الذكاء, فأعجبت المعتضد, وأهوى بيده إلى حوالي عنق الحب, فأخذ من لطاخته شيئاً يسيراً من غير أن يشعث رأس الحب, وجعله في لحيته, وقال ما تسمح نفسي بتطريق التشعيب على هذا شيلوه, فرفع, ومضت الأيام فجلس المكتفي للشرب يوماً, وهو خليفة, وأنا قائم على رأسه فطلب غالية, فاستدعي الخادم, وسأله عن الوالي, فأخبره بمثل ما كان أخبر به أباه, فاستدعى غالية الواثق, فجاءه بالحب بعينه, ففتح فاستطابه, وقال: أخرجوا منه قليلاً, فأخرج منه مقدار ثلاثين, أو أربعين مثقالا, فاستعمل منه في الحال ما أراده, ودعا بعتيدة له, فجعل الباقي فيها ليستعمله على الأيام, وأمر بالحب فختم بحضرته, ورفع, ومضت الأيام, وولى المقتدر الخلافة, وجلس مع الجواري يشرب يوماً, وكنت على رأسه, فأراد أن يتطيب, فاستدعى الخادم, وسأله فأخبره بمثل ما أخبر به أباه وأخاه, فقال: هات الغوالي, كلها فأحضرت الحباب كلها, فجعل يخرج من كل حب مائة مثقال وخمسين, وأقل, وأكثر, فيشمه, ويفرقه على من بحضرته حتى انتهى إلى حب الواثق, واستطابه فقال: هاتم عتيدة حتى يخرج إليها من هذاما يستعمل, فجاءوه بعتيدة, وكانت عتيدة المكتفي بعينها, ورأى الحب ناقصاً, والعتيدة فيها قدح الغالية ما استعمل منه كبير شيء, فقال: ما السبب في هذا؟ فأخبرته بالخبر على شرحه, فأخذ يعجب من بخل الرجلين, ويضع منهما بذلك, ثم قال: فرقوا الحب بأسره على الجواري, فما زال يخرج منه أرطالاً أرطالاً, وأنا أتمزق غيظاً, وأذكر حديث العنب, وكلام مولاي المعتضد إلى أن مضى قريب من نصف الحب, فقلت له: يا مولاي إن هذه الغالية أطيب الغوالي, وأعتقها, وما لا يعتاض منه, فلو تركت ما بقي فيها لنفسك, وفرقت من غيرها كان أولى, قال: وجرت دموعي لما ذكرته من كلام المعتضد, فاستحي مني, ورفع الحب فما مضت إلا سنين من خلافته حتى فنيت تلك الغوالي, واحتاج إلى عجن غالية بمال عظيم.
(7/ 217 ـ 218)
صافي
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد، للحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي - ت - ن دار ابن الجوزي - من إصدارات شبكة نور الإسلام · کتاب · Hadith 492
bookmark Bookmarkshare Sharecontent_copy Copy