أما الموت فقد شهر لكم، فأنتم تنظرون إليه في كل يوم وليلة، من بين منقول: عزيز على أهله، كريم في عشيرته، مطاع في قومه: إلى حفرة يابسة، وأحجار من الجندل صم، ليس يقدر له الأهلون على وساد، إلا خالطه فيه الهوام، فوساده يومئذ عمله. ومن بين مغموم غريب: قد كثر في الدنيا همه، وطال فيها سعيه، وتعب فيها بدنه؛ جاءه الموت من قبل أن ينال بغيته، فأخذه بغتة؛ ومن بين صبي مرضع، ومريض موجع، ورهن بالشر مولع، وكلهم بسهم الموت يقرع. أما للعابدين من عبر في كلام الواعظين؟ ولربما قلت: سبحانه وجل جلاله، لقد أمهلكم، حتى كأنه أهملكم؛ ثم أرجع إلى حلمه وقدرته، ثم أقول: بل أخرنا إلى حين آجالنا سبحانه: إلى يوم تشخص فيه الأبصار، وتجف فيه القلوب، مهطعين مقنعي رؤوسهم، لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء. يا رب، قد أنذرت وحذرت، فلك الحجة على خلقك؛ ثم قرأ:…} وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [إبراهيم: 44]. ثم يقول: أيها الظالم، أنت في أجلك الذي استأجلت: فاغتنمه قبل نفاذه، وبادره قبل فوته؛ وآخر الأجل: معاينة الأجل، عند نزول الموت؛ فعند ذلك: لا ينفع الأسف؛ إنما ابن آدم: غرض للمنايا منصوب، من رمته بسهامها: لم تخطئه، ومن أرادته: لم تصب غيره. ألا وإن الخير الأكبر: خير الآخرة الدائم: فلا ينفد، والباقي: فلا يفنى، والممتد: فلا ينقطع؛ والعباد المكرمون: في جوار الله تعالى، مقيمون في كل ما اشتهت الأنفس، ولذت الأعين، متزاورون على النجائب، ويتلاقون: فيتذاكرون أيام الدنيا؛ هنيئاً للقوم هنيئاً: لقد وجد القوم بغيتهم، ونالوا طلبتهم، إذ كانت رغبتهم: إلى السيد الكريم المتفضل. (5/ 115ـ116) * عن ابن ذر قال في كلامه
التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء، للحافظ أبي نعيم الأصبهاني - ت - ن دار طيبة للنشر والتوزيع - · Hadith 4633
Sanad
أما الموت فقد شهر لكم، فأنتم تنظرون إليه في كل يوم وليلة، من بين منقول: عزيز على أهله، كريم في عشيرته، مطاع في قومه: إلى حفرة يابسة، وأحجار من الجندل صم، ليس يقدر له الأهلون على وساد، إلا خالطه فيه الهوام، فوساده يومئذ عمله. ومن بين مغموم غريب: قد كثر في الدنيا همه، وطال فيها سعيه، وتعب فيها بدنه؛ جاءه الموت من قبل أن ينال بغيته، فأخذه بغتة؛ ومن بين صبي مرضع، ومريض موجع، ورهن بالشر مولع، وكلهم بسهم الموت يقرع. أما للعابدين من عبر في كلام الواعظين؟ ولربما قلت: سبحانه وجل جلاله، لقد أمهلكم، حتى كأنه أهملكم؛ ثم أرجع إلى حلمه وقدرته، ثم أقول: بل أخرنا إلى حين آجالنا سبحانه: إلى يوم تشخص فيه الأبصار، وتجف فيه القلوب، مهطعين مقنعي رؤوسهم، لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء. يا رب، قد أنذرت وحذرت، فلك الحجة على خلقك؛ ثم قرأ:…} وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [إبراهيم: 44]. ثم يقول: أيها الظالم، أنت في أجلك الذي استأجلت: فاغتنمه قبل نفاذه، وبادره قبل فوته؛ وآخر الأجل: معاينة الأجل، عند نزول الموت؛ فعند ذلك: لا ينفع الأسف؛ إنما ابن آدم: غرض للمنايا منصوب، من رمته بسهامها: لم تخطئه، ومن أرادته: لم تصب غيره. ألا وإن الخير الأكبر: خير الآخرة الدائم: فلا ينفد، والباقي: فلا يفنى، والممتد: فلا ينقطع؛ والعباد المكرمون: في جوار الله تعالى، مقيمون في كل ما اشتهت الأنفس، ولذت الأعين، متزاورون على النجائب، ويتلاقون: فيتذاكرون أيام الدنيا؛ هنيئاً للقوم هنيئاً: لقد وجد القوم بغيتهم، ونالوا طلبتهم، إذ كانت رغبتهم: إلى السيد الكريم المتفضل. (5/ 115ـ116)
