رحمك الله، ما أقرب ما يتقرب به العبد المحب إلى الله؟ قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: سئل أبو سليمان الداراني عن أقرب ما يتقرب به إليه؟ قال: أن يطلع على قلبه، وهو لا يريد من الدنيا والآخرة غيره؛ ففي هذا دليل على: أن أقرب ما يتقرب به العبد إلى الله: كل عمل عمله بالإخلاص لله، والإشفاق عليه من عدوه؛ وإن قل ذلك، فهو المقبول: إذا كان على حقيقة التقوى معمولاً؛ كما قال علي بن أبي طالب: عمل صالح دائم مع التقوى، وإن قل، وكيف يقل ما يتقبل؟ وذلك: أن المحب لله، هو على الركن الأعظم من الإيمان، الذي يمكن أن يستكمله العبد، ولا يحسن به ادعاؤه؛ وهو: ركن المعرفة بالنعم، وإظهار الشكر للمنعم؛ وذلك أن الله تعالى يقول لولي من أوليائه: يا عبدي، أما زهدك في الدنيا: فطلبت به الراحة لنفسك، وأما انقطاعك إلي: فتعززت بي؛ فهل عاديت لي عدواً؟ أو واليت لي ولياً؟ فيخبرك: أنه جعل الحب والبغض فيه، أعظم عنده ثواباً من الزهد في الدنيا، والانقطاع إليه؛ قلت له: صف لي زهد المحبين، وزهد الخائفين، وزهد الورعين، وزهد المتوكلين؟ فقال: إن العباد زهدوا في حلال الدنيا، خوفاً من شدة الحساب: إذ سئلوا عن الشكر، فلم يؤدوا الشكر على قدر النعم؛ وفرقة من الخائفين: زهدوا في الحرام، خوفاً من حلول النقمة؛ فزهد الخائفين: ترك الحرام البين، وزهد الورعين: ترك كل شبهة؛ وزهد المتوكلين: ترك الاضطراب فيما قد تكفل به من المعاش، لتصديقهم بوفاء الضامن، وزهد المحبين؛ قد قالت فيه العلماء ثلاثة أقوال؛ فقالت فرقة: زهد المحب في الدنيا كلها، في حلالها وحرامها، لقلتها في نفسه؛ وقالت فرقة أخرى: زهد المحب في الجنة، دون الدنيا حذراً، من أن يقول له حبيبه: يا محب، أي شيء تركت لي؟ فيقول: تركت لك الدنيا، فيقول: وما قدر الدنيا؟ فيقول: يا رب، قدرها جناح بعوضة؛ فيلحقه من الحياء من الله، أن يقول له: تركت لك ما قدره جناح بعوضة؛ ولكن: تعلم يا رب، أني لم أعبدك: إلا بثواب الجنة فقط، لا أريد منك غير ذلك، وما الجنة مع ذكرك؛ فزهد المحب الصادق في الدنيا: هو الزهد في الإخوان: الذين يشغلون عن الله؛ فقد زهد فيهم، لعلمه بما يلحقه من الآفات عند مشاهدتهم؛ فزهده فهيم، على علم بهم. (10/ 84ـ85) * قيل لذو النون المصري
التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء، للحافظ أبي نعيم الأصبهاني - ت - ن دار طيبة للنشر والتوزيع - · Hadith 4997
Sanad
رحمك الله، ما أقرب ما يتقرب به العبد المحب إلى الله؟ قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: سئل أبو سليمان الداراني عن أقرب ما يتقرب به إليه؟ قال: أن يطلع على قلبه، وهو لا يريد من الدنيا والآخرة غيره؛ ففي هذا دليل على: أن أقرب ما يتقرب به العبد إلى الله: كل عمل عمله بالإخلاص لله، والإشفاق عليه من عدوه؛ وإن قل ذلك، فهو المقبول: إذا كان على حقيقة التقوى معمولاً؛ كما قال علي بن أبي طالب: عمل صالح دائم مع التقوى، وإن قل، وكيف يقل ما يتقبل؟ وذلك: أن المحب لله، هو على الركن الأعظم من الإيمان، الذي يمكن أن يستكمله العبد، ولا يحسن به ادعاؤه؛ وهو: ركن المعرفة بالنعم، وإظهار الشكر للمنعم؛ وذلك أن الله تعالى يقول لولي من أوليائه: يا عبدي، أما زهدك في الدنيا: فطلبت به الراحة لنفسك، وأما انقطاعك إلي: فتعززت بي؛ فهل عاديت لي عدواً؟ أو واليت لي ولياً؟ فيخبرك: أنه جعل الحب والبغض فيه، أعظم عنده ثواباً من الزهد في الدنيا، والانقطاع إليه؛ قلت له: صف لي زهد المحبين، وزهد الخائفين، وزهد الورعين، وزهد المتوكلين؟ فقال: إن العباد زهدوا في حلال الدنيا، خوفاً من شدة الحساب: إذ سئلوا عن الشكر، فلم يؤدوا الشكر على قدر النعم؛ وفرقة من الخائفين: زهدوا في الحرام، خوفاً من حلول النقمة؛ فزهد الخائفين: ترك الحرام البين، وزهد الورعين: ترك كل شبهة؛ وزهد المتوكلين: ترك الاضطراب فيما قد تكفل به من المعاش، لتصديقهم بوفاء الضامن، وزهد المحبين؛ قد قالت فيه العلماء ثلاثة أقوال؛ فقالت فرقة: زهد المحب في الدنيا كلها، في حلالها وحرامها، لقلتها في نفسه؛ وقالت فرقة أخرى: زهد المحب في الجنة، دون الدنيا حذراً، من أن يقول له حبيبه: يا محب، أي شيء تركت لي؟ فيقول: تركت لك الدنيا، فيقول: وما قدر الدنيا؟ فيقول: يا رب، قدرها جناح بعوضة؛ فيلحقه من الحياء من الله، أن يقول له: تركت لك ما قدره جناح بعوضة؛ ولكن: تعلم يا رب، أني لم أعبدك: إلا بثواب الجنة فقط، لا أريد منك غير ذلك، وما الجنة مع ذكرك؛ فزهد المحب الصادق في الدنيا: هو الزهد في الإخوان: الذين يشغلون عن الله؛ فقد زهد فيهم، لعلمه بما يلحقه من الآفات عند مشاهدتهم؛ فزهده فهيم، على علم بهم. (10/ 84ـ85)
