ما فعل فلان؟ قال: أنس فتوحش؛ وقيل لرابعة: بم نلت هذه المنزلة؟ قالت: بتركي مالا يعنيني، وأنسي بمن لم يزل؛ وقال ذو النون في بعض كلامه: يا أنيس كل منفرد بذكرك، وجليس كل متوحد بحبك. وقال عبد الواحد بن زيد لراهب: يا راهب، لقد تعجلت الوحدة؛ فقال الراهب: يا فتى، لو ذقت حلاوة الوحدة، لاستوحشت إليها من نفسك؛ الوحدة رأس العبادة، ما أنستها الفكرة. قال: يا راهب، ما أقل ما يجد العبد في الوحدة؟ قال: الراحة من مداراة الناس، والسلامة من شرهم. قال: يا راهب، متى يذوق العبد حلاوة الأنس بالله؟ قال: إذا صفا الود، وخلصت المعاملة. قال: يا عبد الله، متى يصفو الود؟ قال: إذا اجتمع الهم، فصار في الطاعة. قلت: متى تخلص المعاملة؟ قال: إذا اجتمع الهم، فصار هماً واحداً؛ وقال بعض الحكماء: عجباً للخلائق: كيف أرادوا بك بدلاً؟ وعجباً للقلوب: كيف استأنست بسواك عنك؟ اللهم، آنست الآنسين من أوليائك، وخصصتهم بكفاية المتوكلين عليك، تشاهدهم في ضمائرهم، وتطلع عليهم في سرائرهم، وستري عندك مكشوف، وأنا إليك ملهوف؛ فإذا أوحشتني العزلة: آنسني ذكرك؛ وإذا كثرت علي الهموم: رجعت إلى الاستجارة بك، يا رب العالمين؛ وقال إبراهيم بن أدهم: جئت من أنس الرحمن؛ وكما قال بعض الحكماء: لو أن معي أ نساً لتوحشت. قيل: رحمك الله، فما علامة صحة الأنس بالله؟ قال: ضيق الصدر من معاشرة الخلق، والتبرم بهم، واختيار القلب عذوبة الذكر. قيل: رحمك الله، فما علامته في ظاهره؟ قال: منفرد في جماعة، ومستجمع في خلوة، وغريب في حضر، وحاضر في سفر، وشاهد في غيبة، وغائب في حضور. قيل: اشرح عن وصف هذا، ما معنى منفرد في جماعة، ومستجمع في خلوة؟ قال: منفرد بالذكر، مشغول بالفكر: لما استولى على القلب، والهم من الشغل، وطيب عذوبة الذكر، وحلاوته؛ وهو منفرد فيما هو فيه عن الجماعة، وهو شاهد معهم ببدنه؛ كما روي عن على بن أبي طالب، في حديث كهيل بن زياد؛ فقال: هجم بهم العلم عن حقيقة الأمر، فباشروا روح اليقين، فاستلانوا ما استوعده المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون؛ صحبوا الدنيا بأبدان قلوبها معلقة بالمحل الأعلى، وبأعلي العلى، عند الملك العالي؛ فهذه صفة المنفرد في جماعة. قيل: فما المستجمع في خلوة؟ قال: مستجمع له بهمة، قد جمع للهموم، فصيرها هماً واحداً في قلبه، فاستجمعت له الهموم: في مشاهدة الاعتبار، وحسن الفكر في نفاذ القدرة؛ فهو مستجمع لله بعقله وقلبه، وهمه ووهمه كله، وكل جوارحه مستجمعة منتصبة، لدوام الذكر، إلى وجود لحوق البصيرة، وعوض الفطنة، وسعة المعونة؛ وليس شيء منه متفرقاً، ولا وهم معطلاً؛ وهذه صفة المستجمع في انفراده. قيل: فما معنى: غائب في حضور؟ قال: غائب بوهمه، حاضر بقلبه؛ فمعنى غائب: أي غائب عن أبصار الناظرين، حاضر بقلبه في مراعاة العارفين. (10/ 107ـ108) * وقيل لبعض المتعبدين
التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء، للحافظ أبي نعيم الأصبهاني - ت - ن دار طيبة للنشر والتوزيع - · Hadith 5000
Sanad
ما فعل فلان؟ قال: أنس فتوحش؛ وقيل لرابعة: بم نلت هذه المنزلة؟ قالت: بتركي مالا يعنيني، وأنسي بمن لم يزل؛ وقال ذو النون في بعض كلامه: يا أنيس كل منفرد بذكرك، وجليس كل متوحد بحبك. وقال عبد الواحد بن زيد لراهب: يا راهب، لقد تعجلت الوحدة؛ فقال الراهب: يا فتى، لو ذقت حلاوة الوحدة، لاستوحشت إليها من نفسك؛ الوحدة رأس العبادة، ما أنستها الفكرة. قال: يا راهب، ما أقل ما يجد العبد في الوحدة؟ قال: الراحة من مداراة الناس، والسلامة من شرهم. قال: يا راهب، متى يذوق العبد حلاوة الأنس بالله؟ قال: إذا صفا الود، وخلصت المعاملة. قال: يا عبد الله، متى يصفو الود؟ قال: إذا اجتمع الهم، فصار في الطاعة. قلت: متى تخلص المعاملة؟ قال: إذا اجتمع الهم، فصار هماً واحداً؛ وقال بعض الحكماء: عجباً للخلائق: كيف أرادوا بك بدلاً؟ وعجباً للقلوب: كيف استأنست بسواك عنك؟ اللهم، آنست الآنسين من أوليائك، وخصصتهم بكفاية المتوكلين عليك، تشاهدهم في ضمائرهم، وتطلع عليهم في سرائرهم، وستري عندك مكشوف، وأنا إليك ملهوف؛ فإذا أوحشتني العزلة: آنسني ذكرك؛ وإذا كثرت علي الهموم: رجعت إلى الاستجارة بك، يا رب العالمين؛ وقال إبراهيم بن أدهم: جئت من أنس الرحمن؛ وكما قال بعض الحكماء: لو أن معي أ نساً لتوحشت. قيل: رحمك الله، فما علامة صحة الأنس بالله؟ قال: ضيق الصدر من معاشرة الخلق، والتبرم بهم، واختيار القلب عذوبة الذكر. قيل: رحمك الله، فما علامته في ظاهره؟ قال: منفرد في جماعة، ومستجمع في خلوة، وغريب في حضر، وحاضر في سفر، وشاهد في غيبة، وغائب في حضور. قيل: اشرح عن وصف هذا، ما معنى منفرد في جماعة، ومستجمع في خلوة؟ قال: منفرد بالذكر، مشغول بالفكر: لما استولى على القلب، والهم من الشغل، وطيب عذوبة الذكر، وحلاوته؛ وهو منفرد فيما هو فيه عن الجماعة، وهو شاهد معهم ببدنه؛ كما روي عن على بن أبي طالب، في حديث كهيل بن زياد؛ فقال: هجم بهم العلم عن حقيقة الأمر، فباشروا روح اليقين، فاستلانوا ما استوعده المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون؛ صحبوا الدنيا بأبدان قلوبها معلقة بالمحل الأعلى، وبأعلي العلى، عند الملك العالي؛ فهذه صفة المنفرد في جماعة. قيل: فما المستجمع في خلوة؟ قال: مستجمع له بهمة، قد جمع للهموم، فصيرها هماً واحداً في قلبه، فاستجمعت له الهموم: في مشاهدة الاعتبار، وحسن الفكر في نفاذ القدرة؛ فهو مستجمع لله بعقله وقلبه، وهمه ووهمه كله، وكل جوارحه مستجمعة منتصبة، لدوام الذكر، إلى وجود لحوق البصيرة، وعوض الفطنة، وسعة المعونة؛ وليس شيء منه متفرقاً، ولا وهم معطلاً؛ وهذه صفة المستجمع في انفراده. قيل: فما معنى: غائب في حضور؟ قال: غائب بوهمه، حاضر بقلبه؛ فمعنى غائب: أي غائب عن أبصار الناظرين، حاضر بقلبه في مراعاة العارفين. (10/ 107ـ108)
