* عن علي بن الجهم قال كان الشعراء يجتمعون كل جمعة في القبة المعروفة بهم من جامع المدينة, فيتناشدون الشعر, ويعرض كل واحد منهم على أصحابه ما أحدث من القول بعد مفارقتهم في الجمعة التي قبلها, فبينا أنا في جمعة من تلك الجمع, ودعبل, وأبو الشيص, وابن أبي فنن, والناس يستمعون إنشاد بعضنا بعضاً أبصرت شاباً في أخريات الناس جالساً في زي الأعراب, وهيئتهم فلما قطعنا الإنشاد قال لنا: قد سمعت إنشادكم منذ اليوم فاسمعوا إنشادي. قلنا: هات فأنشدنا: فحواك دل على نجواك يا مذل ... حتام لا يتقضى قولك الخطل فإن أسمج من يشكو إليه هوى ... من كان أحسن شيء عنده العذل ما أقبلت أوجه اللذات سافرة ... مذ أدبرت باللوى أيامنا الأول إن شئت أن لا ترى صبر القطين بها [1] ... فانظر على أي حال أصبح الطلل كأنما جاد مغناه فغيره ... دموعنا يوم بانوا، وهي تنهمل ولو ترانا وإياهم وموقفنا ... في موقف البين لاستهلالنا زجل من حرقة أطلقتها فرقة أسرت ... قلبا، ومن عذل في نحره عذل وقد طوى الشوق في أحشائنا بقر ... عين طوتهن في أحشائها الكلل ثم مر فيها حتى انتهى إلى قوله في مدح المعتصم: تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل قال: فعقد أبو الشيص عند هذا البيت خنصره, ثم مر فيها إلى آخرها. فقلنا: زدنا فأنشدنا: دمن ألم بها فقال سلام ... كم حل عقدة صبره الإلمام ثم أنشدها إلى آخرها، وهو يمدح فيها المأمون، واستزدناه فأنشدنا قصيدته التي أولها: قدك اتئد أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائي حتى انتهى إلى آخرها, فقلنا له: لمن هذا الشعر؟ فقال: لمن أنشدكموه. قلنا: ومن تكون؟ قال: أنا أبو تمام حبيب بن أوس الطائي, فقال له أبو الشيص: تزعم أن هذا الشعر لك وتقول: تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل قال نعم: لأني سهرت في مدح ملك, ولم أسهر في مدح سوقة, فعرفناه حتى صار معنا في موضعنا, ولم نزل نتهاداه بيننا, وجعلناه كأحدنا, واشتد اعجابنا به لدماثته, وظرفه, وكرمه, وحسن طبعه, وجودة شعره وكان ذلك اليوم أول يوم عرفناه فيه, ثم ترقت حاله حتى كان من أمره ما كان. (8/ 249، 250)
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد، للحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي - ت - ن دار ابن الجوزي - من إصدارات شبكة نور الإسلام · Hadith 1619
Sanad
* عن علي بن الجهم قال
