1354 - (1468) وَأَنْكَرَ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَيْضًا مَعَ هَذَا خَرْصَ الثِّمَارِ لِلصَّدَقَةِ، وَرَدُّوهُ بِوُجُوهٍ تَأَوَّلُوهَا. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ، فَقَالَ: إِنَّ الْخَرْصَ مِنَ الْمُزَابَنَةِ فِي الْبَيْعِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ. قَالَ: وَهُوَ أَيْضًا كَالْقِمَارِ وَالْمُخَاطَرَةِ الَّتِي لَا يُدْرَى فِيهَا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ يَذْهَبُ بِمَالِ صَاحِبِهِ. قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ الْخَرْصُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُوَفَّقُ مِنَ الصَّوَابِ لِمَا لَا يُوَفَّقُ لَهُ غَيْرُهُ. قَالَ: وَكَذَا الْقُرْعَةُ لَا تَجُوزُ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ. فَهَذِهِ حُجَجُ مَنِ احْتَجَّ لَهُمْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِلَالِ جَوَابٌ وَحُجَّةٌ تَدْخُلُ عَلَيْهِ. فَأَمَّا تَشْبِيهُهُ الْخَرْصَ بِالْمُزَابَنَةِ فِي الْبَيْعِ، وَإِبْطَالُهُ إِيَّاهُ فِي الصَّدَقَةِ مِنْ أَجْلِ الْبَيْعِ، فَلَيْسَتْ لَهُ هَاهُنَا حُجَّةٌ أَقْرَبَ إِلَى الْوَهْنِ وَالْغَيِّ مِنْ هَذِهِ، إِذْ جُعِلَتِ الصَّدَقَةُ قِيَاسًا عَلَى الْبُيُوعِ، وَشَرَائِعُ الْإِسْلَامِ أُمَّهَاتٌ لَا يُقَاسُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ #157# حُكْمًا غَيْرَ حُكْمِ الْأُخْرَى، وَلَوِ احْتُجَّ مُحْتَجٌّ عَلَى قَائِلِ هَذَا، فَقَالَ: إِنْ جَازَ لَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْبَيْعَ أَصْلًا تَقِيسُ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِ، فَإِنِّي أَجْعَلُ الصَّدَقَةَ أَصْلًا أَقِيسُ الْبَيْعَ عَلَيْهِ، مَا كَانَ فِي الدَّعْوَى إِلَّا وَاحِدًا، وَكِلَاهُمَا أَخَذَ فِي غَيْرِ الصَّوَابِ، وَلَكِنْ تَمْضِي كُلُّ فَرِيضَةٍ عَلَى وَجْهِهَا وَسُنَّتِهَا. (1470) وَمَعَ هَذَا، أَنَّهُ لَوْ جَازَ لِلَّذِي شَبَّهَ الْبَيْعَ بِالصَّدَقَةِ قَوْلُهُ، مَا كَانَتْ هَذِهِ الْحُجَّةُ إِلَّا عَلَيْهِ، لَا لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُبَايَعَةَ فِي التَّمْرِ بِالتَّمْرِ رِبًا، إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَهُوَ يَاخُذُ مِنَ الثِّمَارِ فِي الصَّدَقَةِ عُشْرَهَا، وَيَكِيلُ لِأَرْبَابِهَا تِسْعَةَ أَعْشَارِهَا، فَهَلْ هَذَا مِنْ سُنَّةِ الْبَيْعِ أَنْ يُبَاعَ الصَّاعُ مِنَ التَّمْرِ بِتِسْعَةِ أَمْثَالِهِ، إِنْ كَانَ مِثْلَ الْبَيْعِ عَلَى مَا زَعَمَ؟ فَأَيْنَ ذَهَبَ بِقَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ؟ وَهَلْ غَلَطَ غَلَطَهُ أَحَدٌ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِسُنَّةٍ أَوْ نَظَرٍ؟ (1471) وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الْخَرْصَ كَالْقِمَارِ، فَكَيْفَ يَتَسَاوَى هَذَانِ الْقَوْلَانِ؟ وَإِنَّمَا قَصَدَ بِالْخَرْصِ قَصْدَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَوَضْعَ الْحُقُوقِ فِي مَوَاضِعِهَا، وَالْقِمَارُ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْفُجُورُ، وَالزَّيْغُ عَنِ الْحَقِّ، وَاجْتِيَاحُ الْأَمْوَالِ بِغَيْرِ حِلِّهَا، فَكَمْ بَيْنَ هَذَيْنِ؟ وَمَتَى سُوِّيَ الْغَيُّ بِالرَّشَادِ؟ مَعَ أَنَّ الَّذِيَ جَاءَ بِتَحْرِيمِ الْقِمَارِ هُوَ الَّذِي سَنَّ الْخَرْصَ وَأَبَاحَهُ، وَاذِنَ فِيهِ، فَمَا جَعَلَ قَوْلَهُ هَاهُنَا مَقْبُولًا، وَهَاهُنَا مَرْدُودًا؟ (1472) وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوَفَّقُ مِنَ الْخَرْصِ وَالْقُرْعَةِ لِمَا لَا يُوَفَّقُ لَهُ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ يُقَالَ لَهُ: هَلْ شَيْءٌ مِنَ الْأُمُورِ سِوَى هَذَيْنِ يُوَفَّقُ النَّاسُ لَهُ كَتَوْفِيقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذ خَصَصْتَ هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ لَهُ بِالتَّوْفِيقِ دُونَ الْأَشْيَاءِ؟ وَلَوْ كَانَ النَّاسُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا فِيمَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يُسَدَّدُونَ لِصَوَابِهِ كَتَسْدِيدِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَإِلَّا اجْتَنَبُوهُ، لَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ إِذًا تَرْكُ الِاسْتِنَانِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَزِمَهُمُ اجْتِنَابُ أُمُورِهِ وَأَحْكَامِهِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ مُحِيطٌ بِأَنَّ مَنْ يَاتِيهِ وَحْيُ السَّمَاءِ وَأَخْبَارُهَا، بَعِيدُ الشَّبَهِ مِمَّنْ يَعْمَلُ عَلَى عِلْمٍ مُغَيَّبٍ. (1473) فَلَيْسَ الْأَمْرُ عِنْدِي مَا قَالَ هَذَا، وَلَيْسَتِ الطَّرِيقُ بِالَّتِي سَلَكَ، وَلَكِنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَى النَّاسِ إِحْيَاءُ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالِاقْتِفَاءُ لَأَمْرِهِ، وَالِاهْتِدَاءُ بِهَدْيِهِ فِي تَسْهِيلِ مَا سَهَّلَ، وَتَغْلِيظِ مَا غَلَّظَ، وَعَلَى اللَّهِ التَّوْفِيقُ وَالْقَبُولُ. (1474) فَالْخَرْصُ وَالْقُرْعَةُ عِنْدَنَا سُنَّتَانِ مَاضِيَتَانِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ عَمِلَتْ بِهِمَا الْأَئِمَّةُ وَالْعُلَمَاءُ بَعْدَهُ. (1475) وَإِنَّمَا تُخْرَصُ الثِّمَارُ فِي أَوَّلِ بُلُوغِهَا، إِلَّا أَنَّهَا تُحْسَبُ عَلَى مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ كَيْلُهَا إِذَا يَبِسَتْ وَصَارَتْ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا، وَهُمَا اللَّذَانِ يُؤْخَذَانِ فِي الصَّدَقَةِ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ يَرْفَعُهُ.
الأموال - أبو عبيد · Hadith 1354
Sanad
1354 - (1468) وَأَنْكَرَ أَهْلُ الْعِرَاقِ
